الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
326
نفحات الولاية
هذه الفطرة التوحيدية في الإنسان فيعود إلى ربّه وخالقه . ثم أشار في العبارة الثالثة إلى ما يمكن تسميته ببرهان الابداع فقال عليه السلام : « خلق الخلق من غير روية ، إذ كانت الرويات لا تليق إلّابذوي الضمائر « 1 » ، وليس بذي ضمير في نفسه » . نعلم أنّ جميع المصنوعات البشرية إنّما تعود إلى الفكر والبرمجة والخطط والمشاريع المسبقة ، وهذه بدورها إلى المخلوقات والمصنوعات في هذا العالم . أي كل ما يصنعه الإنسان فقد شاهد شبيهه في عالم الخلقة ، كما قد يركب أحيانا بين عدة أشياء ليصنع منها شيئاً معيناً ، فقد يحتذي بطيور البحر في صنعه للسفينة وبخلقة الطيور في صنعه للطائرة وهكذا ، وعليه فهو يحتاج إلى التفكير في صناعته من جانب ، ويحتاج إلى موجودات أخرى لكي يقلدها ويستعين بها في صناعته من جانب آخر . أمّا الابداع بمعنى الخلق دون الحاجة إلى التفكير أو النموذج للاقتداء فانّما يختص به وحده سبحانه . ثبت اليوم أن على الأرض فقط ملايين الأنواع من النباتات والحيوانات والحشرات ، حيث لم تكشتف بعد للإنسان لأنها تعيش في أعمال البحار أو في متاهات الغايات أو في الصحاري النائية والمناطق القطبية ، وكل ذلك يرمز إلى الإبداع الإلهي في عجائب خلقتها ، ويشير هذا الإبداع إلى وجوده وعلمه وقدرته . وبغض النظر عن كل ذلك فإن الصناعات البشرية إنما تتكامل مع تقادم الزمان والانفتاح على تجارب الآخرين ، والحال مخلوقات اللَّه ليست كذلك ، فتكاملها يستند إلى ذاتها ، لا إلى التجارب الجديدة . ثم فسر قوله السابق عليه السلام قائلًا : « خرق علمه باطن غيب السترات « 2 » ، وأحاط بغموض عقائد السريرات « 3 » » . فإن كان غنياً سبحانه في تنويعه لخلقه عن التفكير والمثال الذي يحتذيه فانّما ذلك لعلمه المطلق النافذ في كل شئ والمحيط بكل شيء .
--> ( 1 ) « ضمائر » جمع « ضمير » من مادة « ضمور » على وزن قبول تعني في الأصل الضعف كما يراد بها باطن الإنسان . ( 2 ) « سترات » جمع « ستره » على وزن قربة ما يستربه . ( 3 ) « سريرات » جمع « سريرة » ما يخفيه الإنسان ويكتمه ، وقد تجمع سريرة جمع تكسير فيقال سرائر ، كما تجمع جمع مؤنث سالم .